ابن عبد البر

183

الدرر في اختصار المغازي والسير

وإن كان كذبا فاجهروا به للناس ( * ) . فانطلقوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما قيل لهم عنهم ، ونالوا من رسول / اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقالوا : لا عهد له عندنا . فشاتمهم سعد ابن معاذ وشاتموه وكانت فيه حدّة ، فقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتهم ، فالذي بيننا وبينهم أكبر من المشاتمة . ثم أقبل سعد وسعد حتى أتيا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في جماعة المسلمين ، فقالا : عضل والقارة ، يعرّضان بغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع : خبيب وأصحابه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أبشروا يا معشر المسلمين . وعظم عند ذلك البلاء واشتدّ الخوف ، وأتى المسلمين عدوّهم من فوقهم ( 1 ) ومن أسفل ( 2 ) منهم حتى ظنوا باللّه الظنون ( 3 ) ، وأظهر المنافقون كثيرا مما كانوا يسرّون ، فمنهم من قال : إن بيوتنا عورة فلننصرف إليها ( 4 ) ، فإنا نخاف عليها ، وممن قال ذلك أوس بن قيظىّ - إلا أنه مع ذلك ولد ولدا سيدا فاضلا وهو عرابة بن أوس الذي قال فيه الشاعر ( 5 ) : إذا ما راية رفعت لمجد * تلقّاها عرابة باليمين

--> * قلت : اللحن : أصله العدول عن طريق الصواب وهو ضد النحو فإنه قصد الطريق الصواب ، والمراد هاهنا : تكلموا بكلام يفهم منه الغرض ولا يفهمه غيرنا . وهكذا المعاريض والتورية ، وهو أصل في جواز الكناية بالمظنات وبالمرجمات . ويحتاج المرء إلى ذلك أما دينا أو دنيا حيث يحتاج إلى الكتمان . وعلى هذا حمل قوله : منطق صائب وتلحن أحيا * نا وخير الكلام ما كان لحنا أي تورى في كلامها وتعرض . وبهذا فسره الحجاج بن يوسف لامرأته هند بنت أسماء ، وكانت أخت هذا الشاعر مالك بن أسماء . وبلغ الحديث الجاحظ وقد فسر البيت في كتاب البيان ( والتبيين ) بأن المراد باللحن الخطأ فندم ، واعترف بأنه أخطأ ، فقيل له : هلا تغيره ؟ فقال ( كيف ؟ ) قد سارت به البغال الشهب وانجد ( في البلاد ) وغار وفي الحديث ما يدل على أنه لا يجوز التخذيل ولا إشاعة الاخبار الموهنة للمسلمين وان كانت صحيحة ، بل تطوى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً واللّه أعلم ( انظر الروض الأنف 2 / 190 ) . ( 1 ) من فوقهم أي من فوق الوادي من قبل المشرق حيث كانت غطفان وجموعها . ( 2 ) ومن أسفل منهم أي من بطن الوادي من قبل المغرب حيث كانت قريش وجموعها . ( 3 ) وفي ذلك نزلت الآية : ( إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ) . ( 4 ) وفيهم نزل قوله تعالى : ( يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً . ( 5 ) هو الشماخ .